المقدمة
مقدمة تأليفية
في خضم النقاش حول أزمة الطاقة في تونس، يمثل مشروع الربط الكهربائي تونس وإيطاليا أو ما يعرب عنه
اصطالحا بـ «مشروع إلماد» إحدى مكونات مصفوفة الحلول التي تقدمها الجهات الرسمية.
وإذا كانت «مجموعة العمل من أجل دميقراطية الطاقة» قد واجهت المخططات الحكومية بمقاربة نقدية باعتبار
أن هذه المخططات تنحو منحى خوصصة قطاع الطاقة والخضوع لتوصيات المؤسسات المالية العالمية، فإن هذه
الوثيقة حول مشروع إلماد تمثل ذروة التحفظات ونقد سياسات الحكومة التونسية في مجال الطاقة لأنها تحوصل و
تؤلف مجمل الحجج والتبريرات التي تقدمها الجهات الرسمية ومؤسسات التمويل من أجل تمرير الخيارات الأشد
ليربالية في المجال. لقد تضمنت هذه الوثيقة شواهد مأخوذة من طرف الداعين للمشروع (جهات رسمية ومؤسسات تمويل) لنضعها
مقابل المعطيات الموضوعية للواقع التونسي وكذلك ما تضمنته وثائق حول الربط الكهربائي وسوق الكهرباء
الأوروبية، بالاضافة لدراسات ومقالات من طرف مؤسسات مختصة دون أن نغفل عن التحاليل والمقترحات الخاصة
بمجموعة العمل بهدف أن يستخلص القارئ النتائج اعتمادا عىل مقولة «يجب أن يبرر كل شيء وجوده أمام مقعد
حكم المنطق أو يتخلى عن وجوده». ويحتوي هذا المؤلف على ثلاث محاور أساسية تتمثل في؛
السياق العام: خلفية المشروع وفيه استعراض لتاريخ ومضمون مشروع إلماد؛
الانعكاسات: نقاط الارتكاز وفيه مجمل ألاسس التي يقوم عليها نقد وتحفظات مجموعة العمل؛
التقييم و المقارنة وفيه عرض لما يمكن أن يكون بديلا لما تقترحه الجهات الرسمية ومؤسسات التمويل
بالإضافة لما يمكن استخلاصه بالنظر للظرفية الحالية وآثارها على تحقيق الأهداف المعلنة للمشروع.
إن ما طرح من خلال المحاور المعروضة يعرب عن جملة الامكانيات والفرضيات التي يفتح لها مشروع الربط الكهربائي
باب التحقق. فهل يتعلق الأمر بتكهنات قائمة على تصورات إيديولوجية وحسب، وإنما بربط الوقائع والمعطيات
الموضوعية الحاصلة والمكتملة حارضا لتكون أساس التوقعات المستقبلية عبر إيجاد الصلات المنطقية وتحليل
انعكاساتها الممكنة.
فـ «مشروع القرن» على حد تعبير أحد المسؤولين الإيطاليين سيقتصر على تبادل الطاقة الكهربائية بقدرة قصوى
تساوي 600 ميغاوات بعد أن كان في صيغته الأولى 1000 ميغاوات. أما الشيء الجديد فهو فتح باب توريد الكهرباء
من القارة العجوز بعد أن كان المشروع يقتصر على التصدير من تونس نحو إيطاليا. كما أن الطاقات المتجددة
ستكون المنتوج الأساسي لتحفيز التبادل خاصة على مستوى التدفق نحو أوروبا أما التدفق العكيس فسيرتبط بما
تتيحه سوق الكهرباء فيها وحاجة تونس إليها.
سيعزز خيار التوريد بالنسبة لتونس ما تصبو إليه الجهات الرسمية بتوصية من مؤسسات التمويل لتحويل
الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى مجرد وسيط بين المنتجين والمستهلكين. سيكرس هذا الدور أيضا عبر الإمكانية
النظرية لتصدير الفائض من الطاقات المتجددة و المنتجة من طرف المستثمرين الخواص والمجبر على شرائها الهيكل
العمومي كما ينص قانون إنتاج الكهرباء من الطاقات املتجددة الصادر سنة .2015 ويمثل هذا جوهر نقد وتحفظ
مجموعة العمل حوله باعتبار أن مقاربتها مبنية أساسا على دعم الإنتاج المحلي العمومي للكهرباء بما فيه ضامنة
للسيادة الطاقية واعتبار توفير الكهرباء خدمة عامة بعيدا عن منطق السلعنة.
تعرضـت الوثيقـة كذلـك إلى حقيقـة مـا يـروج حـول تصديـر الكهربـاء المنتجـة عبر الطاقـات المتجـددة باعتبـاره
لــن يشــمل ســوى الفوائــض وبعــد تلبيــة الحاجيــات المحليــة. هــذه الفكــرة تــعرب عــن جهــل تــام بالتشريعــات
المتعلقــة بالمجــال وأبرزهــا قانــون 2015 الــذي يمثــل النــص القانــوني الوحيــد الــذي ينــص صراحــة على إمكانيــة
تصديـر هـذا النـوع مـن الطاقـة عبر نظـام خـاص مسـتقل تمامـا عـن «السـوق المحليـة» المزمـع إنشـائها. بالتـالي،
تعـتبر مجموعـة العمـل هـذا النظـام التوجـه الرئـيسي لخيـار التصديـر أمـا مـا يـعبر عنهـا بالفوائـض المتأتيـة مـن
نــظام الاــستهلاك الــمحلي فــهي توجه ثانوي بالنــسبة إليــها.
سيجرنا خيار التصدير أيضا للحديث حول دور الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ستمثل العمود الفقري لمجمل
استثمارات الطاقات المتجددة في تونس بعد استبعاد الشركة التونسية للكهرباء والغاز من مجال الإنتاج. ولقد
تعرضت هذه الوثيقة إلى انعكاسات هذا النوع من الاستثمارات اعتمادا على معطيات مضمنة بمقالات و دراسات
مختصة، أو كذلك بوثائق مؤسسات التمويل. ولعل استنزاف العملة الصعبة وتواصل العجز التجاري الطاقي
سيكونان أبرز النتائج لهذا المشروع في غضون العشرية التي تلي انطلاقته الفعلية.
جرت الإشارة كذلك إلى التبريرات المقدمة من الجهات الرسمية التونسية للانخراط في المشروع، ولعل أبرزها تخفيض
كلفة إنتاج الكهرباء عبر خيار التوريد. يعرب هذا التبرير عن قصور كبير في تحليل ودراسة السوق الأوروبية للكهرباء
وعدم تقييم موضوعي لما يمكن أن يتحقق اعتمادا على معطيات مؤسسات أوروبية ودولية مختصة. كما تتغافل
هذه الفكرة، التي نجدها أيضا مضمنة بوثائق مؤسسات التمويل، عن التعرض للكلفة الحقيقية للكهرباء المنتجة
من طرف الهيكل العمومي بتونس لأنه سيتيح للقارئ القيام بالمقارنة، وهو ما سيسمح له بالتقييم الموضوعي. هذا
بالضبط ما قامت به مجموعة العمل حتى تبني مدى هشاشة التبريرات المقدمة وعدم متانتها.
ويجب ألا نغفل عن ذكر نية دول الشمال الأوروبي لتخضير استهالكها للطاقة على حساب دول الجنوب الممثلة
في هذا المشروع بتونس وباقي دول شمال إفريقيا. هذه الدول التي، علاوة على تحملها انعكاسات التغير المناخي
ُفرض عليها المساهمة في تخفيض البصمة الكربونية للمواد المستهلكة الذي تسببت فيه الدول الصناعية الكبرى، ُ
في أوروبا عبر تمويلات مقدمة في شكل قروض من مؤسسات هذه القارة العجوز.
في الختام، قدمت مجموعة العمل من أجل دميقراطية الطاقة جملة من المقرتحات البديلة، وكذلك ما يمكن أن يقلل
ولو جزئيا من انعكاسات الانخراط في مشروع إلماد، مع عرض أمثلة أوروبية لمواقف جد سلبية من مشاريع مماثلة
رغبة في الحفاظ على استقرار الشبكات الكهربائية المحلية وتدعيما للسيادة الطاقية لبعض الدول عسى أن تكون
نماذجا جديدة ومختلفة عن النموذج السائد في عقول متخذي القرار ببلداننا, بلدان الجنوب.
إلياس بن عمار


